محمد رأفت سعيد
67
تاريخ نزول القرآن الكريم
من العلماء ، ويرى بعض المحدثين أنه أمثل الآراء ، ويعلل ذلك بأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض - كما مر بنا في الرأي السابق والقائل بالتوقيف - وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب في البعض كان عن اجتهاد ، كالحديث السابق المروى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ولكن المؤيدين لهذا القول اختلفوا في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف ، والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد ، فقال القاضي أبو محمد ابن عطية : إن كثيرا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل ، وأما سوى ذلك فيمكن أن يكون فوّض الأمر فيه إلى الأمة بعده . وقال أبو جعفر بن الزبير : الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ، ويبقى فيها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : اقرءوا الزهراوين : البقرة وآل عمران » رواه مسلم . وكحديث سعيد بن خالد : قرأ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالسبع الطوال في ركعة ، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه وفيه : أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يجمع المفصّل في ركعة . وروى البخاري عن ابن مسعود أنه قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء : « إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى » ، والعتاق : جمع عتيق وهو القديم من كل شئ ، والمراد بالعتاق - هنا : ما نزل أولا ، والتّلاد ضد الطارف وهو : المستحدث من المال ونحوه ، والمراد بالتلاد هنا : ما نزل أولا - أيضا - وفي الحديث : « هن من تلادى » يعنى : السور أي من الذي أخذته من القرآن قديما . فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها . وفي صحيح البخاري أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ : « قل هو الله أحد ، والمعوّذتين » . القول الثالث : فيرى أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم ، وينسب هذا القول إلى جمهور من العلماء منهم : مالك والقاضي أبو بكر فيما اعتمده من قوليه ، وإلى هذا المذهب يشير ابن فارس في كتاب المسائل الخمس بقوله : جمع القرآن على ضربين : أحدهما : تأليف السور كتقديم السبع الطوال ، وتعقيبها بالمئين فهذا هو الذي تولّته الصحابة رضي اللّه عنهم ، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فذلك شئ تولاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه عز وجل . ودليلهم على هذا ما يلي :